الحاج محمد عفيف كان من هذه المدرسة: مدرسة الإعلام الصادق، مدرسة الإعلام الذي ينتبه بأن الناس لهم حق أن يعرفوا الحقيقة. هنا يجب تحصين ساحتنا من خلال مراقبة ما يُبث على المستوى الإعلامي.
أنتم تعرفون اليوم مئات القنوات، ومئات وسائل التواصل، بل آلاف وسائل التواصل، ومئات المواقع الإلكترونية تبث أخباراً كاذبة من غرفٍ سوداء، من أجل أن تُضلّل، ومن أجل أن تعطي الصورة المخالفة للحقيقة.
مع العلم أن الصورة أحياناً تكون ناصعة وتكون واضحة: أي صورة أوضح من حقّ المقاومة في الدفاع ضدّ الاعتداء الإسرائيلي والعدوان الإسرائيلي على لبنان؟ أي صورة أوضح من هذه المجازر التي ارتكبها العدوان الإسرائيلي سواء في لبنان أو في فلسطين؟ أي صورة أوضح عندما يقتل العدوان المدنيين والإعلاميين، ويقتل كل من يسير على الأرض لأنه في الجبهة المقابلة؟ لكن وظيفة الإعلام أن يُبرّز هذه الصور. الحاج محمد عفيف كان يسعى من خلال اتصالاته المختلفة أن يبرز هذه الصور، أن يكررها، أن يعطيها حقها حتى يتعرف الناس، ليس فقط عندنا، بل حتى على مستوى العالم.
أنتم تعلمون إلى اللحظة الأخيرة، كان يقول الأمريكي والإسرائيلي والمتواطئون معهما: "لا يوجد إبادة في فلسطين في غزة"، مع العلم أن كل العالم رأى على الشاشات التلفزيونية مباشرة كيف تحصل الإبادة، وكيف يحصل التجويع، وكيف يحصل القتل اليومي لأهل غزة من الرجال والنساء والأطفال. عندما يكون لدينا إعلامي أو إعلاميون صادقون ملتزمون لديهم خبرة، يتمكنون من تسويق الفكرة. عندما قتلوا الحاج محمد عفيف، قتلوه لأنه نجح في تسويق الفكرة والسردية المقاومة التي أرادها حزب الله، والتي هي تعبير عن واقع المقاومة الإسلامية وجمهور المقاومة الإسلامية. يجب أن ندقّق دائماً بالمعلومة قبل أن ننشرها، وقبل أن نتبنّاها، وقبل أن نحاكمها، وأن نحلّل على أساسها.
قال تعالى: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا". هذه مسؤولية علينا جميعاً. لا يكفي أن ننظر إلى الإعلامي ودوره، على الناس أيضاً أن لا يتلقّوا الخبر إلا من الجهة الموثوقة، ولا يتلقّوا التحليل إلا من الجهة الموثوقة.
الحاج محمد عفيف كان نموذجاً للتحليل الموثوق، وللخبر الصحيح. وكل من اتصل به من الإعلاميين الأصدقاء أو الوسائل المختلفة كان دقيقاً وصريحاً وصادقاً في إعطاء المعلومة أو تصحيح المعلومة.
الحاج محمد عفيف كان له دور مهم في تبيان مفاهيم المقاومة بشكل دقيق. عندما قام بمؤتمره الصحفي يوم الشهيد قال: "مفهومُنا للانتصار والهزيمة مفهوم أي حركة مقاومة في التاريخ: أي منع العدو من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية".
إذًا، لاحظوا بالتحليل الإعلامي: عندما يخرج هذا الإعلامي النبيل الصادق المؤمن المخلص ويعرض الفكرة أو الخلفية أو النتيجة المتوقعة بطريقة محدودة وبجملٍ عديدة لكنها واضحة في آفاقها، هذا جزءٌ من التثقيف الإعلامي والسياسي، وهذا جزءٌ من نقل الخبر مع نقل التحليل الموجود لهذا الخبر. افتقدناك يا حاج محمد، كنت علَماً مهماً، كنت الصاحب المحب والمرتبط بسماحة السيد حسن، رضوان الله تعالى عليه، واستطعت أن توجد بصمة مهمة في العمل الإعلامي. إن شاء الله إخوانك ومن تابعوك ومن خلفوك سيكونون على هذا النهج.
هنا لا بد أن نحيّي تحية خاصة لوالد الشهيد محمد، سماحة العلامة المجاهد الشيخ عفيف النابلسي، المعروف بمكانته ودوره — رحمه الله — هو الذي سعى وعمل على هذه التربية الصالحة. وكذا تحية إلى الوالدة المباركة الجليلة العاملة في سبيل الله تعالى، وكل العائلة وكل الأهل.
هنا لا بد أيضاً أن نذكر الشهداء الأربعة الذين استُشهدوا معه، ولازموه كظلّه: الشهيد موسى أحمد حيدر، أمين السرّ، والشهيد حسين علي رمضان، وهو محرر في مكتب التحرير، والشهيد هلال محمد ترمس، أيضاً محرر في مكتب التحرير مع الحاج محمد، والشهيد محمود إبراهيم الشرقاوي الذي رافقه لفترة طويلة. هؤلاء الشهداء الأربعة ارتقوا مع الشهيد محمد عفيف، وشكّلوا قوة مهمة مساندة له، لم يفارقوه في كل تحركاته وفي كل عمله ونشاطه. وهذا فخر كبير لهم جميعاً أن يكونوا في هذا الموقع.
هنا لا بدّ أيضاً أن نذكر الإعلاميين الشرفاء الذين استُشهدوا في لبنان من كل المؤسسات الإعلامية، الذين عملوا بشكل واضح لفضح وكشف العدو الإسرائيلي. وبالتالي هؤلاء الشهداء أيضاً لهم منّا تحية وتبريك. وأيضاً للإعلام اللبناني والعربي والدولي، فيما يتعلق بوقوفه إلى جانب الشعبين اللبناني والفلسطيني، وهذه المقاومة الجليلة الأبية. دور الإعلام كان مهماً جداً. اغتيال إسرائيل للإعلاميين لأنهم تركوا أثراً حقيقياً في إبراز حقيقة المعركة. هؤلاء قدّموا الوقائع والحقائق، وواجهوا إعلام الطواغيت والمجرمين.