منذ وقف إطلاق النار في ال 27 من تشرين الثاني عام 2024 ولبنان يعيش في ظل دوامة من التحولات السياسية والأمنية،
برز فيها بشكل كبير عامل الضغوط الدولية حيث يسعى الغرب وفي مقدمه الولايات المتحدة الأميركية إلى تحقيق ما يعتبرها إنتصارات في السياسة عجز عن تحقيقها خلال الحرب العسكرية، كما برز ما أسمي بمسار المفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي كأحد أخطر الملفات السيادية المطروحة، ليس فقط لطبيعته الحساسة، بل لما رافقه من تنازلات لبنانية متتالية جرت دون تحقيق أي مكاسب وطنية واضحة أو ضمانات مقابلة.
البداية كانت من جلسة ال5 من آب حيث أقر مجلس الوزراء بند حصرية السلاح واضعاً جدولاً زمنياً لتنفيذه على مراحل، ثم كان الرضوخ في جلسة ال7 من آب عندما أقرت الحكومة الورقة الأميركية دون أن يتحقق للبنان أي مطلب مثل وقف الاعتداءات وتحرير النقاط وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار.
لم يكتف المسؤولون بهذا الكم من التنازلات، حتى بدأت الإشارات تظهر باستعداد لبنان للتفاوض مع العدو، كان ذلك في ال 31 من تشرين الأول الماضي حيث قال رئيس الجمهورية صراحة إن لبنان مستعد للمفاوضات من أجل إنهاء الاحتلال، ولم يمض شهر واحد حتى أعلن رئيس الجمهورية في خطاب لمناسبة عيد الاستقلال استعداد لبنان للتفاوض مع إسرائيل برعاية أممية أو أميركية أو دولية مشتركة لوقف الاعتداءات عبر الحدود بشكل نهائي.
وعلى الرغم من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم تجاوب العدو الإسرائيلي مع ما يقدمه لبنان والطلب إلى الجيش تفتيش منازل المدنيين، أعلنت رئاسة الجمهورية في ال 3 من كانون الأول الجاري تعيين السفير سيمون كرم عضواً مدنياً في لجنة الميكانيزم وتكليفَه ترؤس الوفد اللبناني في اجتماعاتها، وبلغ مستوى التنازلات إلى حد إعلان رئيس الحكومة نواف سلام أن الدولة جاهزة للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح في شمال الليطاني.
في المحصلة، ومنذ تشكيل الحكومة، دخل لبنان موقع الطرف المتلقي للضغوط، في مقابل عدو يفرض شروطه مستفيداً من حالة الضعف الداخلي والانقسام السياسي وغياب رؤية تفاوضية موحّدة، وكشف تعامل لبنان مع ملف المفاوضات غير المباشرة عن خلل بنيوي في إدارة الملف السيادي اللبناني، وعن غياب استراتيجية وطنية واضحة، ما يجعل من سياسة التنازلات المتبعة خطراً حقيقياً على حاضر لبنان ومستقبله.